وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

ناجون من القصف الذري يكشفون النقاب عن جنهم مآساتهم:
هيروشميا تكسر حاجز الصمت!


بقلم منزل الحق* - إنديبث نيوز/إنتر بريس سيرفس


طوكيو , يوليو (IPS) - ذاكرة الإنسان قصيرة خاصة عندما يتعلق الأمر بتسجيل الحروب والدمار. فغالبا ما يتذكر المرء التفاصيل التي لا تعد ولا تحصي للبؤس والمعاناة الإنسانية، كشيء غامض ومجرد؛ شيء بعيدة ومنفصل، لا صلة له علي الإطلاق بالواقع الذي يعيشه.

وبما أنه ينظر إليها كشيء غامض مبهم، فمن الصعوبة بمكان أن يعتبرها أدلة صلدة وملهمة لإيقاظ ضميره. فالإنسان يميل إلى نسيان ما تجلبه الحروب والدمار للبشرية فورا بعد موجات الحقائق المأساوية التي عادة ما تمهد الطريق للشعور بوضع هادئ نسبيا، على الأقل لفترة قصيرة.

هذه الطبيعة الهشة للذاكرة البشرية، غالبا ما يعتمد عليها أولئك الذين يميلون إلى دفع البشرية نحو محو الذاكرة من أجل تسهيل العودة الى الوراء ودفع عجلات التقدم لمسار عكسي من أجل مصالح مجموعات كبيرة. وهذا هو السبب في أن أصبحت الحروب والتدمير الذاتي جزءا لا يتجزأ من رحلة الإنسان الأبدية في سعيه لحياة سلمية وهادئة.

يمكن أن تُعزى الأسباب الحقيقية لكثير من مثل هذه الإخفاقات، مرة أخرى، لعدم القدرة على فهم أعمق للمعاناة الإنسانية التي تجلبها الحروب دائما. وطالما واصلت البشرية تجاهل واقع هذا العمق، فسوف يبقي حلم تحويل السيوف إلى محاريث حلما مؤجلا دائما، بل وبعيد المنال الآن أكثر من أي وقت مضى.

وهنا، مرة أخرى، يمكن أن تلعب الذاكرة دورا هاما جدا؛ دور من شأنه أن يساعدنا علي فهم عمق المأساة التي قد تجلبها الحرب في وقت لدينا قدرات مدمرة تفوق أضعاف أضعاف ما يمكن تصوره.

بالذات إنطلاقا من هذا الفهم، يقدم أربعة عشر من الناجين من القنبلة الذرية الذي ُقصفت بها هيروشيما في 6 أغسطس 1945 مساهمة بطولية، بطرقهم أبواب ضمائر البشر من خلال التذكر وسرد ذكريات سنوات المراهقة البريئة التي مزقها الجهنم الذي فتحت أبوابه عليهم علي مصراعيه ذلك الصباح المشؤوم.

في هذا الشأن، يعتبر توقيت نشر الكتاب الذي أصدرته في مارس الأخير لجنة هيروشيما للسلام التابعة لمنظمة "سوكا غاكاي" بعنوان "هيروشيما -الصمت المكسور"، مواتيا للغاية. فهو يستبق بالقدر الكافي الذكرى السنوية السبعين لتدمير هيروشيما وناغازاكي في العام المقبل.

هذا النوع من الكتب هو بمثابة تاريخ شفهي يسجل روايات الناجين الأربعة عشر من القنبلة الذرية التي أسقطت علي هيروشيما، والذين ولدوا بين عامي 1927 و 1939.

كل منهم نجا من أهوال أعقاب القصف الذري، وعاش حياة طويلة على الرغم من تحمل جراح شديدة سواء في أجسامهم أو في أذهانهم.

لم يكن الطريق معبدا، فقد كان عليهم الخضوع لعلاج طبي لمدى الحياة، قد يكون قد نجح في كثير من الحالات في تضميد الجراح البدنية التي لحقت بهم. لكن الموقف التمييزي الضمني الذي لاقاه العديد من الناجين في صفوف المجتمع ربما أكثر إيلاما من المعاناة الجسدية.

لقد كانت الفترة التي تلت القصف النووي فترة إرتباك وفوضى في اليابان. وأصبحت الفترة الفوضوية لما بعد الحرب، وكذلك التذكير المستمر بالخبرات الكابوسية للناجين من القنبلة الذرية، نوعا من المحرمات بعد أن خضعت اليابان للاحتلال، وأيضا جراء عدم رضاء المنتصرين عن الكشف عن أفعال الشر التي إرتكبوها.

علاوة على ذلك، تسبب الذعر القاتل والتشويه البدني، في إجبار العديد من الناحين علي التعايش مع العقد الناجمة عن ذلك في أذهانهم أيضا، فبدأوا تدريجيا في إغلاق أبواب تلك الذكريات المأساوية. وأسدل الكثيرون منهم ستار الصمت عن التجارب التي عانوها من تلك المأساة.

لكن لحسن الحظ، قرر عدد كبير من الناجين في وقت لاحق كسر حاجز الصمت وسرد ما عاشوه وعانوه. وحكي كل من الأربعة عشر روايته في كتاب "هيروشيما - الصمت المكسور" روايات فريدة من نوعها عن مدى المعاناة الحقيقية للناجين.

يتذكر "تاداشي كيهارا" بوضوح مشهدا مأساويا لازمه من ذلك الإنفجار النووي. فعلى الرغم من إصابته جراء القصف الذري، واصل المساعدة في عمليات البحث عن الأهالي المحاصرين والمصابين في هيروشيما.

وأثناء بحثه عن ضحايا القصف النووي، سمع "كيهارا" بكاء يتسول للحصول على جرعة من الماء. كان صوتا ضعيفا ولكن كثيفا. وبإقترابه من مصدر الصوت، رأي امرأة مصابة بحروق شديدة، تحمل رضيعا بين ذراعيها. كانت مصابة بحروق خطيرة في جميع أنحاء جسدها، وكان الطفل كان يمسك بحلمة أمه على شفاه.

وبمزيد من التدقيق والإمعان، إكتشف "كيهارا" الواقع، فرأي أن الطفل مات بالفعل، وأنه ربما كان رفض الأم قبول هذه الحقيقة هو الذي جعلها تواصل حمل الرضيع ميتا كما لو كانت لا تزال تغذيه بحليبها.

فيشرح "كيهارا": "لم يكن هناك شيئا يمكن أن أفعله بالنسبة لها. اعتذرت ومشيت بعيدا عنه... وهذا لا يزال يسبب الألم في قلبي".

أسدل "كيهارا" أيام شبابه الستار علي حقيقة أنه أحد الناجين من القنبلة الذرية. لكنه بعد بلوغه 65 سنة من العمر، غيّر موقفه وقرر سرد ما حدث له للأجيال المقبلة. كل ما يريده الآن هو عدم السماح للشباب بنسيان تلك التجربة الرهيبة التي أصابت تلك الأم بجروح بالغة والتي مع ذلك حضنت طفلها ميتا إلي جسدها المحروق وتسولت الحصول على جرعة من الماء.

الناجون الأربعة عشر كانوا كلهم في حينه فتيانا في سن المراهقة ومفعمون بالحيوية والطاقة. فحطمت القنبلة الذرية لا فقط أحلامهم في مستقبل مشرق، ولكنها أيضا غيرت مجرى حياتهم بطريقة لم يكن يتوقعونها حتى في كوابيسهم.

ثم هناك حالة "شوسو كاواموتو" الذي أدرك انه اصبح واحدا من يتامى القنبلة الذرية علي هيروشيما عندما عاد للبحث عن والديه بعد ثلاثة أيام من القصف. كان "كاواموتو" يبلغ من العمر 11 سنة، وكان المكان الوحيد الذي إستطاع اللجوء إليه هو معبد يقدم الطعام مجانا، ولكن ليس بما يكفي لملء بطنه الجائعة.

فيما بعد، أصبح "كاواموتو" واحدا من يتامى الشوارع الذين يناضلون لمجرد البقاء على قيد الحياة، وإضطر أحيانا إلي سرقة كعك الأرز من الباعة المتجولي الذين كانوا يعملون لحساب عصابات كانت تستغل أطفال الشوارع في ذلك الوقت.

تفيد روايته أيضا أنه قبل القصف النووي، كان قد تم اجلاء حوالي 8،600 من طلاب المدارس الابتدائية في هيروشيما الى الريف. من هذا المجموع، أصبح 2،700 طفلا يتامي، وحالف الحظ فقط 700 منهم بما يكفي لإيجاد أماكن لهم في دور الأيتام، في حين تحول البقية إلي أطفال شوارع.

ما يربط بين كل هؤلاء الناجين الأربعة عشر ليس فقط المعاناة المشتركة بينهما ولكن أيضا العزلة التي فرضوها على أنفسهم لفترة طويلة جدا من الصمت.

وما حثهم الآن على كسر حاجز الصمت هو الرعب الجديد الذي شاهدوه إثر كارثة فوكوشيما النووية في مارس 2011. فمنذ ذلك الحين أخذوا علي عاتقهم مسؤولية إطلاع المواطنين علي مدى الأضرار الذي يمكن أن تسببها التداعيات النووية.

وأما "ماتسويكي شيموا"، أحد الناجين الذين يخبرنا أن مشاهدة عمال فوكوشيما في برنامج تلفزيوني يذكره بما حدث لشقيقه بعد أيام قليلة من القصف، وهو ما حدا به أن يسرد جانبه من رواية البقاء على قيد الحياة والموت بعد الإشعاع.

كان شقيقه الأصغر "أكيو" يبلغ من العمر مجرد 13 سنة وكان يسير في الشارع وقت الإنفجار الذري جنبا إلى جنب مع صديقه "ناكامورا". دمرت سيارة تماما، ومع ذلك نجا الإثنان وعادا إلي بيوتهما.

وهنا يقول "شيموا" ما حدث بعد ذلك: "بعد حوالي 20 يوما بدأ شعر أخي في السقوط وظهرت بقع حمراء في جميع أنحاء جسده... كتفه وذراعاه كانوا مثل عيدان... كان أخي الوحيد هذا في سن مجرد 13 عاما، لكنه بدا وكأنه رجل عجوز عندما وافته المنية. سمعت في وقت لاحق أن صديقه ناكامورا توفي في اليوم نفسه".

لقد جاءت مبادرة تسجيل شهادات الناجين من القنبلة الذرية في الوقت المناسب من قبل مؤتمر هيروشيما للسلام الذي تعقده منظمة "سوكا غاكاي". فيؤمن هذا المؤتمر بأن إنهاء العصر النووي لن يأتي ما لم تتم تعبئة الرأي العام بقوة لكسب الدعم الضروري لإلغاء النووي.

"هيروشيما -الصمت المكسور" هو المجلد الثامن من نوعه الذي يتناول شهادات الناجين من القنبلة الذرية علي هيروشيما، وأول كتاب من نوعه ينشر بعد كارثة فوكوشيما.

وقرر مؤتمر هيروشيما للسلام لمنظمة "سوكا غاكاي" سوكا نشره بالترجمة الإنجليزية سعيا وراء إيصال أصوات الناجين من القنبلة الذرية على نطاق واسع خارج اليابان أيضا، خاصة في وقت تقترب فيه ذكري مرور سبعين عاما علي تلك الكارثة القاتلة من صنع الإنسان، مما يجعل من نشره مناسبا لتذكير البشرية لا فقط بأهوال الماضي، وإنما أيضا بالمسار الذي يتحتم اتخاذه لوقف السباق المميت... سباق تدمير البشرية.

*منزل الحق، صحفي من نغلاديش، مؤلف ثلاثة كتب باللغة البنغالية عن اليابان وغيرها من المواضيع. انتقل إلى اليابان في عام 1994 بعد أن عمل في مركز الأمم المتحدة للإعلام في دكا وخدمة "بي بي سي" العالمية في لندن.

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2017 IPS-Inter Press Service