وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

المدير السابق لشعبة العمليات الميدانية بمنظمة الأغذية والزراعة:
هل يساعد رفع أسعار الغذاء على إستئصال الجوع؟


بقلم أندرو ماكميلان*/وكالة إنتر بريس سيرفس


روما, يونيو (IPS) - قد يشعر المرء بالحيرة الشديدة أمام كميات وأنواع الأطعمة المعروضة على رفوف المتاجر الكبيرة. هذه الوفرة تشجعنا على أن نعتقد أنه من المفروغ منه أننا سوف نكون دائما قادرون على شراء الطعام الذي نريده وبأسعار معقولة.

لكن أولئك الذين قد يتسائلون كيف وأين يتم إنتاج كل هذه الأطعمة المختلفة التي يشترونها، غالبا ما سوف يبدأون في الكشف عن وضع مثير للقلق نوعا ما.

فسوف يجدون أن الأفراد الذين يعملون على جميع المستويات في سلسلة النظام الغذائي -محلات السوبر ماركت، تصنيع اللحوم، التعبئة، التغليف، حصاد الفاكهة، عمال المزارع، نادلات مطاعم الوجبات السريعة، إلي آخره- هم من بين أسوأ كل العاملين من حيث الأجور المدفوعة لهم.

سوف يكتشفون أيضا أن العديد من الأسر من ذوي المهارات التي تعمل في المزارع الصغيرة التي تنتج معظم المواد الغذائية في العالم، تعيش في وضع غير مستقر، ومعرضة لمخاطر متعددة ناجمة عن تقلبات الأسواق والآفات والأمراض والمشاكل المناخية المتطرفة، سواء الصقيع أو العواصف الثلجية والفيضانات والأعاصير أو الجفاف. كذلك فسوف يكتشفون أن الجوع في معظم البلدان النامية يتركز بشدة في المناطق الريفية، حيث يعيش نحو 70 في المئة من 842 مليون شخص يعانون من الجوع المزمن في العالم، أولئك الذين يعتمدون إلى حد كبير على الزراعة والصيد والحراجة.

كما سيدركون أن الكثير من الفقر في المناطق الحضرية يأتي من الأهالي الفارين من الفقر والحرمان في المناطق الريفية، وأن العديد من الصراعات التي تهدد الاستقرار العالمي لها أصولها في مناطق الفقر المدقع.

يبدو من الخطأ المخيف أن يكون الأهالي الذين ينتجون الكثير من طعامنا، هم ذاتهم أولئك الذين يعانون أشد المعاناة من الفقر الشديد ونقص الغذاء.

تكمن أحد أسباب هذا الوضع غير العادل في ما يسميه الاقتصاديون العلاقات غير المتكافئة في السلسلة الغذائية. فعلى سبيل المثال، تدخل محلات السوبر ماركت في حومة التنافس علي العملاء من خلال خفض أسعارها، والحد مما يدفعونه للموردين الذين بدورهم يخفضون أجور عمالهم.

وبدورها، ترغب معظم الحكومات في الحفاظ على أسعار "معقولة" للمواد الغذائية، مدعية أن ذلك يجعل الغذاء متاحا للأسر الفقيرة، وبالتالي يحول دون الجوع وسوء التغذية.

وهكذا تشمل أدوات السياسة الرئيسية المستخدمة من قبل الدول الغنية وتلك ذات الإقتصادات الناشئة علي حد السواء، الإعانات التي تعوض مزارعيها عن إنخفاض ثمن مبيعات الأغذية، إضافة إلي فرض ضرائب منخفضة على معظم الأطعمة.

إن فكرة أن الحفاظ علي أسعار منخفضة للمواد الغذائية سوف يقلل من حجم مشكلة الجوع، هي فكرة معيبة، ذلك أن السبب الرئيسي لجوع الأهالي هو عجزهم عن تحمل ثمن الغذاء الذي يحتاجونه، حتى عندما تكون الأسعار منخفضة.

ومن ثم، وبدلا من تحصين جميع المستهلكين -كما هو الحال الآن- من دفع الثمن الكامل والعادل للطعام، يبدو أكثر منطقية السماح بارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة القوة الشرائية للفقراء.

وكما اكتشف عملاء "التجارة العادلة"، يمكن تمرير ارتفاع أسعار التجزئة رجعة إلى جميع المشاركين في سلسلة الإنتاج الغذائي، وخاصة العمال الزراعيين، فهم على الأرجح سوف يقدمون أفضل خيار يحركه السوق، لخفض الفقر والجوع في الريف.

لكن القضاء على الجوع بسرعة، ونقل الدخل بما يستهدف الأسر الفقيرة، هو مطلوب أيضا، على الأقل حتى تبدأ البلدان في إدارة اقتصاداتها بأساليب أكثر إنصافا.

الواقع هو أن السياسات التي تدعم انخفاض أسعار المواد الغذائية، فضلا عن دفعها لتفاقم الجوع في المناطق الريفية، تضيف أيضا زخما لغيرها من المشاكل الكبيرة المرتبطة بالأغذية التي تواجه العالم الآن بما في ذلك:

-عدم تطابق خطير بين النظم الغذائية الصحية وما يختاره الناس للأكل عندما يرتفع دخلهم. وهذا يظهر بوضوح أكثر في الارتفاع السريع في الإفراط في استهلاك الطعام مما يؤدي إلى أكثر من 1.5 مليار نسمة تعاني من زيادة الوزن أو السمنة، وخلق عبء صحة ضخم في المستقبل، وخسائر فادحة في الإنتاجية. كما يظهر أيضا نموا سريعا في الطلب على الأطعمة التي تحتوي على آثار بيئية عالية؛

-نسبة الفاقد البشع من المواد الغذائية على مستوى البيع بالتجزئة والمنزلي، والتي تبلغ حوالي 30 في المئة من الناتج في الدول الصناعية (أو أكثر من مجموع صافي الإنتاج السنوي للغذاء في أفريقيا!)؛

-التوسع السريع في نظم الزراعة المكثفة وغير المستدامة، وهو ما يضع ضغوطا هائلة على الموارد الطبيعية الشحيحة على نحو متزايد، وهي التي تحتاجها الأجيال المقبلة لتلبية احتياجاتها الغذائية: التربة، والمياه العذبة، والغابات، والثروة السمكية البحرية، والتنوع البيولوجي، وذلك فضلا عن تقوية عمليات التغير المناخي عن طريق توليد انبعاثات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري.

كثير من الناس يعتقدون أن التحدي الغذائي الكبير في المستقبل سيكون إنتاج ما يكفي لإطعام الجياع. لكن ردم فجوة الجوع لأكثر من 800 مليون من بني البشر، يمكن تحقيقه اليوم إذا كنا على استعداد لاتخاذ تدابير مباشرة لتحسين فرص الحصول على الغذاء.

لدي السعي لإحتساب كم سيستغرق ذلك، فوجئنا بأن نجد أن تمكين جميع الجوعى في العالم من الارتفاع فوق عتبة الجوع، من شأنه أن يرفع الطلب بأقل من 2 في المئة من الإنتاج الغذائي العالمي الحالي.

هذا ويرى آخرون النمو السكاني باعتباره مصدر القلق الرئيسي. معدلات المواليد تنخفض بسرعة، لكنه من الواضح أن المزيد من الخفض سيجعل مهمة إطعام العالم أسهل، ذلك أن الكثير من النمو في عدد الأفواه الواجب إطعامها -من 7 مليارات حاليا إلى 9 مليارات في عام 2050- سوف يأتي من الناس الذين يعيشون حياة أطول، كنتيجة إيجابية لتحسين النظافة والصحة والتعليم.

الواقع هو أننا نحن الذين لدينا بالفعل أكثر من ما يكفي لتناول الطعام، وأولئك الذين يتوقعون محاكاة نظامنا الغذائي غير الصحي عندما يرتفع دخلهم، هو السبب الرئيسي، حيث يمثل ما يقرب من نصف زيادة 60 في المئة في توقعات الطلب على الغذاء وفقا منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لعام 2050!.

يبدو أن ما نحتاج إليه الآن هو تعميم مفاهيم العدالة والأكل الصحي والاستدامة في جميع أنحاء منظومة إدارة الأغذية. ويمكننا أن نعتمد بشكل مفيد تطلعات حركة "الطعام البطيء"، ومفادها أن "جميع الناس تستطيع الحصول علي الطعام والاستمتاع بالطعام الجيد لهم، والجيد لأولئك الذين ينتجوه، والجيد لكوكب الأرض".

وبالفعل بدأ العديد من البلدان النامية في تتحرك في هذا الاتجاه، مستوحاة من نجاح برنامج القضاء على الجوع في البرازيل، فهو يربط بين الحماية الاجتماعية الموسعة للأسر الفقيرة وشراء الطعام للغذاء المدرسي، لتعزيز التنمية الزراعية المستدامة علي النطاق الصغير.

ولكن يجب على الدول الصناعية أيضا الوفاء مسؤولياتها بوقف آثارها السلبية على إدارة الأغذية التي تضر لا بأهاليها فقط ولكن أيضا بقية أنحاء العالم.

قد تكون الخطوة الأولي هي إعادة توجيه الدعم الزراعي الحالي نحو تعزيز تناول الطعام الصحي، ووقف الهدر الغذائي، وتسريع التحول اللازم إلي نظم الزراعة المستدامة من المنظورات التقنية والبيئية والاجتماعية.

يمكن أن يكون إرتفاع أسعار المواد الغذائية بالتجزئة جزءا من عملية التكيف، مع إستفادة المستهلكين تدريجيا من حصة أكبر من تكاليف إنتاج "كاملة وعادلة".

وعلى الرغم من أنها قد يشكون، فهذا ينبغي أن يكون في متناول مئات الملايين من الناس الذين ينفقون عادة أقل من 20 في المئة من دخلهم المتاح على الغذاء. كما سيكون في متناول الأسر الفقيرة من خلال توسيع نطاق الحماية الاجتماعية.

*أندرو ماكميلان، المدير السابق لشعبة العمليات الميدانية لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، والمؤلف المشترك مع اجناسيو ترويبا، لكتاب "كيفية وضع حد للجوع في أوقات الأزمات".

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2017 IPS-Inter Press Service