وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

المفوضة الأوروبية ووزيرة خارجية إيطاليا سابقا:
إنضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.. طريق طويل ووعر


بقلم إيما بونينو*/وكالة إنتر بريس سيرفس


روما, يونيو (IPS) - منذ عام 2004، تابعت "اللجنة المستقلة بشأن تركيا”* عن كثب التطورات الجارية في تركيا وبين تركيا والاتحاد الأوروبي. وأصدرت اللجنة في السابع من أبريل الأخير تقريرها الثالث المعنون " تركيا في أوروبا: حتمية التغيير".

ينص التقرير باختصار علي ما يجب القيام به لتحقيق التقدم في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في ظل الظروف الحالية: "في الأوقات العصيبة التي نعيشها، تعد تركيا مستقرة وديمقراطية ومزدهرة أكثر من أي وقت مضى في المصلحة الحيوية للاتحاد الأوروبي وتركيا...".

ويضيف: "… ندعو تركيا لاستئناف الديمقراطية وعكس أوجه القصور فيها. في هذا السياق نحن مقتنعون اقتناعا راسخا بأن إعادة إطلاق عملية ذات مصداقية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن دعم جهود تركيا لمعالجة الخلافات الداخلية وتسريع الإصلاح السياسي".

لقد لاحظنا كيف أن الحلقة المفرغة بين تركيا والاتحاد الأوروبي التي شهدناها في عام 2009، قد عمقت انعدام ثقة تركيا وسخطها الكبيرين تجاه الاتحاد الأوروبي، في حين أهمل الاتحاد الأوروبي، المنغمس في أزمته الداخلية، وإلى حد كبير عملية الانضمام تجاه تركيا.

ثم بدأنا بحلول عام 2013 نرى علامات على احتمال بداية جديدة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

فقد شجعتنا زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، إلى بروكسل في وقت سابق من هذا العام، وكذلك -وربما قبل كل شيء- الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي على إعادة القبول وحوار تحرير التأشيرات، جعنا على الاعتقاد بأنه يمكن في عام 2014 تجديد عملية انضمام تركيا ووضعها علي مسار أكثر صحيا.

لقد شهدت السنوات الأخيرة في تركيا جهودا هامة على طريق الإصلاح السياسي. وفي كثير من النواحي خطت تركيا قفزات هامة إلى الأمام. وأصبحت العلاقات المدنية العسكرية في تركيا تقارب الآن المعايير السائدة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن عصر التدخل العسكري في الحياة المدنية قد ولي إلي الأبد.

وفيما يتعلق بالمسألة الكردية، أطلقت الحكومة التركية مسارا شجاعا للمصالحة مع الحركة القومية الكردية.

الطريق أمامنا طويل ووعر، لكن النتائج التي تحققت حتى الآن -بالمقارنة بمجرد عقدين من الزمن- تعتبر تاريخية حقا.

كما نلاحظ، مع ذلك، أنه في نواحي هامة أخرى -وخاصة حرية التعبير، والإصلاح القضائي، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون- اتخذت تركيا خطوات إلى الأمام، لكنها جاءت مصحوبة بتجاوزات أحيانا، بل وبخطوات إلى الوراء أحيانا أخري.

تنتقد اللجنة في تقريرها الحكومة التركية لإظهارها زيادة في النزعات الاستبدادية، وتلفت الانتباه إلى اتساع الفجوة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

ويجري التركيز بشكل خاص على استقلال القضاء، وفصل السلطات، وحرية وسائل الإعلام، وفرض قيود على الإنترنت، والأداء الحكومي الضعيف في مجالات حرية الفكر والتعبير والتظاهر في أعقاب احتجاج حديقة "جيزي" التي بدأت في 28 مارس 2013.

يدعم الاستقطاب المتفاقم في البلاد بين القوى السياسية، وكذلك بين الدولة وقطاعات المجتمع المدني، العديد من الصعوبات التي تواجه تركيا علي مسار ترسيخ ديمقراطيتها.

لقد قاد الفشل في الاتفاق على دستور مدني جديد، وإندلاع الاحتجاجات في حديقة "جيزي"، وفضيحة الفساد التي شملت تركيا في ختام عام 2013 ، إلي مظاهر متنوعة من مثل هذا الاستقطاب الشائن.

هذا وتكمن عملية ذات مصداقية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي -بحيث يكون في مقدورها المساعدة علي تعزيز الديمقراطية في تركيا- في قدرة الاتحاد الأوروبي على إلهام الإصلاحات لتكون بمثابة الغراء بين مجموعة متباينة من الجهات الفاعلة في تركيا.

وفي نفس الوقت، تعتمد العلاقة الصحية بين تركيا والاتحاد الأوروبي على جهود تركيا لعكس أوجه القصور السياسي واستئناف مسار الإصلاح الديمقراطي.

وفيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، واصلت تركيا إظهار مرونة كبيرة، بعد أن نجت من العاصفة المالية العالمية وتداعياتها التي تلتها على منطقة اليورو بشكل ملحوظ حتى الآن.

منذ بدء عملية انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، تعمقت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بشكل كبير أيضا في عدد من المجالات التي قد يبدو، للوهلة الأولى، بعيدة عن عملية الانضمام.

ففي مجال الطاقة، نما الاعتماد المتبادل بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في السنوات الأخيرة على الرغم من توقف عملية الانضمام.

وأقامت تركيا نفسها بثبات كبلد عبور رئيسي في "ممر الغاز الجنوبي" (لتوريد الغاز من بحر قزوين ومنطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا) وكذلك الاتفاقات الأخيرة لنقل الغاز الأذربيجاني التي تمثل أول مظاهر ملموسة علي هذا الطريق.

وبوصفها دولة سريعة النمو ومتلهفة علي الطاقة وتقع على مقربة من مصادر متعددة للغاز، تهدف تركيا لتصبح ليس فقط دولة عبور، ولكن أيضا مركزا للطاقة.

وعلى وجه الخصوص، يمكن أن تصبح تركيا مقصدا وطريقا رئيسيا لمصادر جديدة للغاز من شرق المتوسط​والعراق. وفي حالة شرق المتوسط​​، يمكن لخط أنابيب من إسرائيل إلى تركيا مرورا بالمنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، التحفيز أيضا علي التقدم في عملية السلام قبرص.

وعلى نطاق أوسع، شهدت إسقاطات السياسة الخارجية للقرن 21 في تركيا في البلاد وخارجها ارتفاعا ملحوظا. فمن حيث المبادرات الدبلوماسية، والتجارة، والحركات الشعبية، والمساعدة الإنمائية، والبعثات العسكرية، والتوعية الثقافية، سجل دور تركيا الإقليمي والعالمي إرتفاعا لا شك فيه.

هذا لا يعني أن مبادرات السياسة الخارجية التركية ناجحة دائما. فمشاكل تركيا الحادة مع سوريا، وتراجع علاقاتها مع مصر، وعلاقاتها المعقدة مع إيران والعراق وإسرائيل، وفشلها في المضي قدما في قبرص وأرمينيا، تشهد كلها علي ذلك.

وعلي الرغم من ذلك، فإن تركيا القرن 21 تعتبر بشكل واضح قوة إقليمية لا يستهان بها. وهناك تقدير واضح ومتنامي عبر الاتحاد الأوروبي لأهمية تركيا الاستراتيجية، وكذلك تعميق كبير للإجماع على الرغبة في التعاون الوثيق مع السياسة الخارجية التركية.

وفي هذا الصدد، تقف "اللجنة المستقلة بشأن تركيا" علي قناعة قوية بأن التغيير أصبح ضرورة حتمية في كل من تركيا والاتحاد الأوروبي.

*تأسست "اللجنة المستقلة بشأن تركيا" في عام 2004 برئاسة مارتي اهتيساري، الحائز علي جائزة نوبل للسلام في 2008 والرئيس السابق لفنلندا، وتضم شخصيات بارزة مثل إيما بونينو (المفوضة الأوروبية الأسبق ووزيرة خارجية إيطاليا السابقة)، وهانز فان دن بروك (وزير الخارجية الهولندي السابق)، و ولفغانغ إيشنجر (رئيس مؤتمر الأمن في ميونيخ)، وديفيد ميليباند (وزير الدول البريطاني السابق للشؤون الخارجية والكومنولث)، ومارسيلينو أوريخا (وزير الخارجية الاسباني السابق)، وميشال روكار (رئيس الوزراء الفرنسي السابق)، وألبرت روهان (الأمين العام السابق للشؤون الخارجية في النمسا).

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2017 IPS-Inter Press Service