وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

خبراء الأمم المتحدة في قضايا السكان:
لا بد من إنهاء تزويج صغار الفتيات في أفريقيا...فورا


بقلم جوليتا اونابنجو، بنوا كالاسا، محمد عبد الأحد*/وكالة إنتر بريس سيرفس


،, يونيو (IPS) - كلاريس تبلغ من العمر مجرد 17 سنة وأنجبت حتي الآن طفلين وتعيش مع زوجها وزوجاته الأربع الأخريات في ريف جنوب تشاد. منذ ثلاث سنوات مضت، شاهدت كلاريس أمها وأخواتها وهن يعدن الطعام لحفلة. في البداية، إحتفلت كلاريس مع الجميع... دون أن تدري أنه كان حفل زفافها.

"حاولت الهرب ولكن تم القبض علي... وجدت نفسي مع زوج ثلاث مرات أكبر مني ... إضطررت للتوقف عن الذهاب إلي المدرسة. وبعد عشرة أشهر، وجدت نفسي بطفل في ذراعي".

هكذا تروي واقعها كلاريس، وهي مجرد واحدة من ملايين صغار الفتيات في جميع أنحاء العالم وخاصة في أفريقيا، اللائي تم تزويجهن كل عام. كثير منهن يصبحن زوجات في سن الثماني سنوات، وغالبا لرجال أكبر منهن سنا بكثير.

على الصعيد العالمي، يجري تزويج واحدة من كل ثلاث فتيات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قبل سن 18 عاما، وواحدة من كل تسعة منهن قبل بلوغ سن 15 عاما.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 15،1 مليون فتاة ستجبرن علي الزواج كل عام، إذا استمر هذا الاتجاه. كذلك أن أفريقيا تأوي 30 من أصل 41 دولة تنتشر فيها ممارسة تزويج صغار الفتيات بمعدل 30 في المئة أو أكثر.

هذه الممارسة أشد حدة في غرب أفريقيا، حيث يتم تزويج إثنتين من أصل خمسة فتيات قبل بلوغ سن 18 عاما، وواحدة من أصل ست بنات لدي بلوغ سن 15 عاما.

من المعروف أن العديد من المعتقدات والأعراف الاجتماعية والثقافية والدينية والتقليدية تغذي استمرار ممارسات زواج الأطفال في أفريقيا. يضاف إليها البعد الاقتصادي الذي يعتبر بمثابة قوة دافعة لهذه الممارسات. فالنسبة لكثير من الأسر التي تعيش في حالة فقر، يعتبر زواج صغار الفتيات مصدرا للدخل، وبالتالي وسيلة مادية للبقاء على قيد الحياة.

وبغض النظر عن العوامل التي تساهم في إستمرار هذه الممارسات وشروحاتها، فالواقع هو أن زواج صغار الفتيات يأتي بتأثيرات ضارة شديدة على بناتنا بل وعلى المجتمع ككل. فهو يعرض للخطر صحة الطفلة وفرص تعليمها وإمكانياتها وقدراتها. كما تتعرض العديد من الفتيات-الزوجات إلى تكرار الحمل والولادة قبل أن تكون جاهزة بدنيا ونفسيا.

في السودان، تم تزويج "عواطف" البالغة الآن 24 عاما، في سن14 سنة حين كانت لا تزال في المدرسة. ورغما عنها، أجبرت علي التوقف عن الدراسة في الصف الخامس، وأصبحت حاملا على الفور.

تقول عواطف: "عشت أياما طويلة من الولادة المتعسرة في المنزل؛ كانت مؤلمة وظننت أنني سأموت. حملتني عائلتي إلى المستشفى للحصول على المساعدة... نجوت لكن طفلي لم ينجو، كما أصبت بناسور الولادة". ونتيجة لذلك، تخلي زوجها عنها وطلقها.

لقد صرح المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان، الدكتور باباتوندي اوسوتيميهن، أنه لا يمكن لأي مجتمع تحمل فرصة ضائعة، ومواهب ضائعة أو استغلال البشر بسبب زواج الأطفال.

تزويج الأطفال هو قضية من قضايا حقوق الإنسان والصحة العامة، ولا يمكن التغاضي عن معالجتها. أولا وقبل كل شيء، الأمر يتعلق بانتهاك صكوك حقوق الإنسان، مثل اتفاقية حقوق الطفل والميثاق الأفريقي لحقوق ورفاه الطفل.

ومن ثم، فواجب واضعي السياسات في القارة حماية حقوق الطفلة التي إلتزمت بها حكوماتهم، وهذا يشمل وضع حد لزواج الأطفال.

هذا ويتطلب وضع حد لممارسة تزويج الأطفال العمل على جميع المستويات لتغيير القواعد الاجتماعية الضارة وتمكين الفتيات.

وعلى وجه التحديد، ينبغي علي الحكومات، والمجتمع المدني، وقادة المجتمع، والأسر وكل أولئك الجادين في إنهاء زواج الأطفال، النظر في إصدار وتنفيذ دعم المجتمع المحلي لوضع القوانين المتعلقة بوضع حد أدني لسن الزواج.

إنهاء ممارسة تزويج الأطفال سيساعد ليس فقط علي حماية حقوق الفتيات، وإنما من شأنه أيضا أن يقطع شوطا طويلا نحو الحد من انتشار حمل المراهقات.

والهدف يجب أن يكون عدم التسامح مطلقا بزواج الأطفال. وهنا يعد الحظر القانوني الزواج الأطفال خطوة أولى جيدة - ولكن ما لم يتم فرض القوانين وما لم تدعم المجتمعات هذه القوانين، لن يكون هناك تأثيرا يذكر.

لقد أسفرت الجهود الكبيرة المبذولة عن نتائج واعدة في جميع أنحاء القارة الأفريقية في مجال تحدي الوضع الراهن لهذه الممارسة الضارة. وشهدنا ممارسات جيدة مثل "مدارس الأزواج" في النيجر و"مبادرات الفتيات المراهقات" في العديد من البلدان الأفريقية.

وفي موزامبيق، وفرت المبادرة المعروفة باسم "منتدى البنات" منبرا للفتيات لتحسين صلاحيات اتخاذ قرارهن؛ ورفع احساسهن بالتمكين؛ وبناء فهمهن فيما يتعلق بمسائل الزواج والصحة الجنسية والإنجابية.

التعليم ليس فقط مفتاح إطلاق طاقات الفتيات؛ فهو يساهم أيضا في تأخير زواج الفتيات في جميع أنحاء القارة. وقد أثبتت الدراسات أن الفتيات اللائي يعانين من مستويات منخفضة من التعليم هن أكثر عرضة للتزويج في وقت مبكر، في حين أن تلك اللائي حصلن علي التعليم الثانوي، تحظين بما يصل إلي ست مرات أقل احتمالا في الزواج كأطفال.

لذلك، يعتبر التعليم الإلزامي للجميع، وخاصة الفتيات، تدبيرا حاسما علي صانعي السياسات إتخاذه.

لقد شهدت القارة تجدد الالتزام السياسي بمعالجة مشكلة زواج الأطفال، من قبل رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي، الدكتورة نكوسازانا دلاميني زوما، التي تشدد علي ضرورة إنهاء ممارسات تزويج الأطفال، "فالفتيات اللائي يجبرن علي الزواج، يرغمن علي إنجاب اطفال بينما هن أنفسهن اطفال".

هذا الالتزام يتحول الآن إلى واقع ملموس من خلال إطلاق حملة جديدة لإنهاء زواج الأطفال في أفريقيا.

والأهداف العامة لهذه الحملة هي:

إنهاء زواج الأطفال من خلال دعم السياسات والإجراءات في مجال حماية وتعزيز حقوق الإنسان، حشد الوعي القاري نحو قضية زواج الأطفال، إزالة الحواجز في مجال إنفاذ القانون، تحديد الآثار الاجتماعية والاقتصادية لزواج الأطفال، رفع قدرات الجهات الفاعلة غير الحكومية لإجراء حوار بشأن السياسات المبنية على الأدلة.

يؤمن صندوق السكان التابع للأمم المتحدة بأن حملة الاتحاد الافريقي لإنهاء تزويج الأطفال تعتبر نقطة تحول في النضال من أجل إنهاء زواج الأطفال في أفريقيا.

لقد حان الوقت لعدم التسامح مع تحويل صغار الفتيات إلي عرائس. لقد حان الوقت للإلتزام بضمان قدرة بناتنا على تحقيق إمكاناتياتهن الكاملة.

لقد سكتت القارة الأفريقية علي زواج الأطفال لفترة طويلة جدا، استنادا إلى مجموعة من الحجج والمبررات غير المدروسة. لكن صغار فتياتنا الفتيات، اللائي يتحملن وطأة هذه الممارسة الضارة حتى الآن، لا يمكنهن الإنتظار أكثر من ذلك للقضاء علي هذه الممارسة. لا ينبغي السماح بإستمرار ممارسة تزويج الأطفال... ولا ليوم واحد.

*الدكتورة جوليتا اونابنجو -المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان في شرق وجنوب أفريقيا. بنوا كالاسا -المدير الإقليمي للصندوق لغرب ووسط أفريقيا. محمد عبد الاحد -المدير الإقليمي للصندوق لشمال أفريقيا والدول العربية.

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2017 IPS-Inter Press Service