وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

حرب سوريا، تدهور الإقتصاد.. والسياسة:
إرتفاع عدد الأطفال المجبرين علي العمل في لبنان


بقلم زاك بروفي/وكالة إنتر بريس سيرفس


بيروت, أغسطس (IPS) - أدي تزايد الضغوط على لبنان نتيجة للصراع الدائر في سوريا، وتعثر الأوضاع الإقتصادية، وعدم الإستقرار السياسي، إلي دفع أعداد متزايدة من الأطفال لسوق العمالة.

ورغم عدم توفر إحصاءات محددة، فقد رفعت وزارة العمل اللبنانية تقديراتها لعمالة الأطفال، من 100,000 في عام 2006 إلي 180,000.

ومع ذلك، تقول "نزهة شاليطة" -رئيس قسم عمالة الأطفال بالوزارة- لوكالة إنتر بريس سيرفس، أن الرقم الحقيقي "أعلى بكثير" نظراً للظروف غير العادية التي واجهها لبنان في العامين الماضيين.

أما "حياة عسيران" -المستشارة بمنظمة العمل الدولية والبرنامج الدولي للقضاء على عمالة الأطفال- فتقول لوكالة إنتر بريس سيرفس، أنه بينما يكافح لبنان للتعامل مع التدفق الهائل للاجئين السوريين -الانخفاض العام في الوضع الاقتصادي والأمني في البلاد، وعدم وجود حكومة- تشهد البلاد أعدادا متزايدة من الأطفال الذين يجبرون على العمل.

ففي أي ليلة في وسط بيروت، تجد الأطفال الصغار يتجولون في شوارع المدينة وهم يبيعون الورود أو عقود "الغاردينيا" حتى الساعات الأولى من الصباح.

وفي حين تعتبر أرقام أطفال الشوارع الذين يبيعون كل شيء -من الزهور إلى المحارم الورقية- الأكثر وضوحا بل وأكثر أشكال عمالة الأطفال شيوعاً، إلا انها مجرد سوى غيض من فيض.

فيقول "جهاد “(11 عاماً) وهو يحمل بعض الورود البلاستيكية الرخيصة التي يحاول بيعها علي باب حانة شعبية في بيروت، "هذا عمل شاق.. وأنا لا أحبه، ولكن لا بد لي من القيام به من أجل الأسرة".

ويضيف، "إذا تمكن أبي وأمي وأخي من القدوم إلى لبنان لكنت قادراً على العودة إلى المدرسة لكنهم محبوسون في حلب ولا يمكنهم القدوم والانضمام لي".

فعلى مدى العامين الماضيين، نمت جحافل الأطفال الذين يعملون في شوارع لبنان بشكل كبير بوصول عشرات الآلاف من الأسر السورية الفقيرة والمعدمة التي اقتلعتها وحشية الحرب الأهلية من بيوتها. ومع ذلك، ففقد كانت المشكلة موجودة قبل أزمة سوريا.

فيقول "خالد مرعب" - المحامي والناشط في مجال حقوق الطفل- لوكالة إنتر بريس سيرفس، أن كثير من هؤلاء الأطفال ليسوا بائعي زهور فقط.. فيتم دفعهم للعمل في بيع أشياء كثيرة.. كما يتم تنظيمهم من قبل عصابات إجرامية.. هناك حافلة تقوم بإحضارهم إلى مواقعهم ثم تجمعهم في نهاية الليل ..

قوات الأمن الداخلي هي المسؤولة عن حفظ الأمن المتعلق بإستغلال أطفال الشوارع، لكنها تعلم أن هناك القليل الذي يمكن أن تفعله بدون آليات الإحالة المناسبة لمنع الأطفال من العمل بالشوارع.

فهناك مركز واحد في البلاد لأطفال الشوارع إنتقته قوات الأمن الداخلي، لكنه لا يقدم خدمات فعلية لإعادة التأهيل. فيعاني المركز من نقص التمويل المزمن، ويعجز عن إبقاء الأطفال في عهدته إذا طلب أحد الأقارب إخراجه منه، علي الرغم من أنه يعتقد أن بعض أفراد الأسرة يقومون بإستغلال الأطفال.

كما تعجز قوات الأمن الداخلي عن تقديم أي إحصاءات عن عدد البالغين الذين يقومون بإستغلال أطفال الشوارع. ويقول "مرعب" أن الأطفال يشتكون في كثير من الأحيان من سوء معاملة قوات الأمن الداخلي.. وتقريباً جميع القضايا ضد أشخاص الذين أرغموا الأطفال على العمل "لا تذهب إلى المحكمة".

هذا ونتيجة لتسكع هؤلاء الأطفال في الشوارع، يتم استدراج عشرات الآلاف منهم بعيداً عن التعليم إلى العمل -وليس مثل هذا العمل لمجرد فترات قصيرة في محل تجاري لمصروف الجيب، أو وظيفة في الصيف لتعزيز السيرة الذاتية علي سبيل المثال.

ففي كثير من الأحيان تعرض هذه العمالة الأطفال للإيذاء البدني أو الجنسي أو النفسي، وتحرمهم من الحق في التعليم، وتهدد صحتهم وسلامتهم وأخلاقهم. فالأطفال يعملون في المصانع، وفي بيوت الدعارة، وورش عمل الآلات، وحقول التبغ.. ومكبات القمامة.

لبنان هو من الدول الموقعة على عدد من المعاهدات الدولية المتعلقة بعمالة الأطفال، وكان قد إتخذ بعض الخطوات لتغيير القوانين والسياسات الوطنية الرامية إلى تحقيق التماشي مع التزاماته.

وأول تلك الإجراءات كان رفع الحد الأدنى لسن الأطفال العاملين في عام 1996، من تسع سنوات إلى 14 سنة، و15 سنة في المشاريع الصناعية والأنشطة التي تتطلب جهداً بدنياً أو ضاراً بالصحة.

القوانين موجودة، ولكن ليس هناك أي مراقبة فعلية على أرض الواقع.

ولدي وزارة العمل فريق من حوالي 70 مفتشا في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، وجد مشروع رائد لمنظمة هولندية غير حكومية أن 19 من المفتشين الذين تعاونت معهم، لا يعرفون ما هي المسؤوليات الملقاة على عاتقهم بشأن عمالة الأطفال، وليسوا على علم بوجود قسم معني بعمالة الأطفال بالوزارة.

وعلى زاوية شارع في أحد أحياء بيروت الفقيرة، تري مجموعة من الشباب -الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 15 عاماً- وقد تركوا جميعاً المدرسة. ولديهم وظائف تتراوح بين تعبئة سم الفئران إلى تنظيف ورش الألمنيوم.

وعادة ما يعملون لستة أيام في الأسبوع من ثمانية إلى 12 ساعة يوميا بأجور تصل إلى 60 دولار فقط في الأسبوع.

ويقول "حيدر"، أحد شباب المجموعة، "اعتقدت أن العمل سيكون أفضل بالنسبة لي من المدرسة لكنني ارتكبت خطأ.. المدرسة هي أفضل من العمل.. ويؤسفني حقاً أنني تركت المدرسة.. ولكن بعد فوات الأوان".

ويمثل ارتفاع معدلات التسرب، وخاصة في المناطق المهملة، مشكلة رئيسية. هناك القانون الذي صدر عام 1998 والذي ينص على إلزامية التعليم المجاني حتى سن 12، لكنه لم يتم وضعه حيز التنفيذ.

وتقول "لالا عربية" -المديرة التنفيذية ومنسقة الحماية لمنظمة "إنسان" المعنية برعاية أطفال الشوارع- لوكالة إنتر بريس سيرفس، أن التعليم ليس مجانيا ولا إلزاميا في العديد من المجتمعات.. وفي كثير من الأحيان يقال للأسر ليس لدينا أماكن كافية.. فكيف يمكن أن يكون إلزاميا؟

وتضيف أن العديد من المناطق المنكوبة بالفقر في لبنان عانت طويلا من إهمال الدولة الضعيفة.. والآن مع تدهور الوضع السياسي والأمني في ظل أزمة اللاجئين المتزايدة، هناك المزيد من الأطفال الذين ينضمون إلى سوق العمل نتيجة لكل هذه الفجوات.

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2018 IPS-Inter Press Service