وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

لمواجهة إرتفاع كثافة السكان:
الزراعة في سماء سنغافورة


بقلم كالينجا سينيفيراتني/وكالة إنتر بريس سيرفس


سنغافورة, ديسمبر (IPS) - يعيش سكان سنغافورة البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة في مساحة لا تتجاوز 715 كيلومتراً مربعاً، فإضطروا للتوسع أفقيا ببنايات شاهقة للمجمعات السكنية قادرة علي إيوائهم.

والآن، تطبق سنغافورة النموذج الرأسي للزراعة الحضرية، بتجريب الحدائق والمزارع العمودية على أسطح المباني من أجل إطعام سكانها.

وحاليا تزرع سنغافورة سبعة في المئة فقط من المواد الغذائية محليا، وتستورد يومياً معظم الخضروات والفواكه الطازجة من البلدان المجاورة مثل ماليزيا وتايلاند والفلبين، وكذلك من الشركاء التجاريين البعيدين عنها مثل استراليا ونيوزيلندا وإسرائيل وشيلي.

وأدى تدفق المهاجرين إلى المزيد من الإكتظاظ السكاني، فأخذت المباني السكنية الشاهقة ترتفع أكثر وأكثر. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأراضي القليلة المتاحة للزراعة سريعة الزوال.

وجاء الحل لهذه المشكلة في شكل شراكة بين القطاعين العام والخاص، مع إطلاق ما تمت الإشادة به على أنه "أول مزرعة عمودية في العالم تعمل بنظام الدائرة المغلقة ومنخفضة (إنبعاثات أكسيد) الكربون وتروى بالمياه"، وذلك لزراعة الخضروات الاستوائية في البيئة الحضرية.

ونتيجة لاتفاق تعاوني بين سلطة الأغذية الزراعية والبيطرة في سنغافورة وشركة محلية تسمى "السماء الخضراء" خرج هذا المشروع إلى الحياة، بغية تعميم التقنيات الزراعية الحضرية التي هي أيضا صديقة للبيئة.

ووفقا لمدير شبكة "سكاي الأخضر" جاك نج، "باقتصاد قوي يفخر بناتج محلي إجمالي يبلغ 239.7 مليار دولار، تتمتع سنغافورة بالكثير من المال... لكن المال لا قيمة له من دون طعام".

وقال نج لوكالة إنتر بريس سيرفس، "هذا هو السبب في أنني أردت إستخدام مهاراتي الهندسية لمساعدة المزارعين في سنغافورة على إنتاج المزيد من الغذاء".

وقام نج بإنشاء نظام الزراعة الرأسية، الذي يلقبه ب " إذهب وأنمو"، والذي يتكون من سلسلة من أبراج الألومنيوم، بعضها يصل إلى تسعة أمتار، تحتوي كل منها على 38 مستوى للأحواض المجهزة لزراعة الخضروات.

وتمشيا مع تركيز مجموعة "السماء الخضراء" على الاستدامة البيئية، يجري إعادة تدوير المياه المستخدمة في تزويد الأبراج الدائرة بالطاقة داخل النظام بحيث تستخدم في نهاية المطاف في ري الخضار. ويستهلك كل برج فقط 60 واط من الطاقة يوميا -حوالي نفس كمية الطاقة التي تستهلكها لمبة ضوء واحدة.

عرف نج أنه إذا كان النظام مكلفا للغاية أو معقد، فلن يكون المزارعين في المناطق الحضرية قادرين على البقاء على قيد الحياة. وبالنظر إلى ذلك، قام بتصميم المشروع آخذاً المتقاعدين والمزارعين الأخرين في الاعتبار، وحاول خلق وضعا تكون فيه "الزراعة تأتي إليكم، بدلا من أن تذهبوا إليها."

والبرج الزراعي متعدد الطبقات يدور ببطء شديد، ويحتاج لثماني ساعات لإكمال دورة كاملة. وعندما تصل النبتة إلى الأعلى فهي تمتص أشعة الشمس الوافرة. وعندما تعود إلى الأسفل تسقى من قبل النظام الهيدروليكي الذي يدفع دوران البرج.

ونظام الدورة المغلقة هذا سهل الحفاظ عليه ولا يخرج أي عادم فهو صديق للبيئة.

ويقول نج إن الأبراج من هذا القبيل -إذا وضعت على أسطح المباني السكنية متعددة الطوابق التي تشكل معظم سنغافورة- يمكن أن توفر سبل العيش للمتقاعدين وربات البيوت، الذين يحتاجون لقضاء ساعات قليلة فقط على السطح لرعاية بالنظام.

وتنتج أبراج "السماء الخضراء" حاليا ثلاثة من أكثر الخضروات شعبية بين السكان المحليين -ناي باي، باي شياو تساى والملفوف الصيني، والتي يمكن أن تحصد كل 28 يوما.

وتعتبر الأبراج بالفعل أكبر بقالة تجزئة في سنغافورة، ولديها شبكة من أكثر من 230 منفذا ومحلات "السوبر ماركت”. وتكلف الخضروات المزروعة في المناطق الحضرية ما يزيد على نحو 20 سنتا للكيلوغرام الواحد عن الأصناف المستوردة.

وقال مدير مشتريات المجموعة ، تونج آه يام، لصحفي في جريدة "ستريتس تايمز" مؤخرا أن "مزارع السماء هذه قادرة الآن على توفير الجودة والخضروات المزروعة محليا لعملائها" التي هي طازجة أكثر لأنها تسافر مسافة أقصر من المزرعة إلى الرف".

وتخطط "السماء الخضراء" لتزويد طنين يوميا لبقالة تجزئة في سنغافورة بحلول منتصف العام المقبل عندما يتم توسيع أبراج مزارعهم.

هذا ويعزز مشروع "السماء الخضراء" توجها بدأ في سنغافورة منذ بضعة عقود.

فمنذ التوسع الحضري في التسعينيات حاولت سنغافورة إيجاد حل لندرة الأراضي المتاحة للزراعة التقليدية من خلال تعزيز الحدائق النباتية على الأسطح.

وقام عدد من المؤسسات المحلية بتطوير نظم الزراعة المائية ولكن شيئا لم يحدث في ذلك الوقت، نظرا للقلق الدائم حول ما إذا كانت أسطح المنازل ستتحمل هذه الهياكل الثقيلة الوزن.

ويرس الخبراء -مثل لي هونغ سينغ، مدير المعهد الوطني للتعليم والذي يتبنى استخدام "مزارع السماء" منذ فترة طويلة- أن هناك حاجة ملحة لسنغافورة لتصبح أقل اعتمادا على الواردات الغذائية.

وقال لوكالة إنتر بريس سيرفس، "نظرا لزيادة تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، بما في ذلك "الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات، والتي يمكن أن تؤثر في الإنتاج الغذائي، قد يكون من الضروري لسنغافورة النظر في إنتاج بعض من الخضروات الخاصة بها من الناحية الأمنية".

وأضاف، "بدأنا في تطوير نظام من 6 مستويات لزراعة الخضروات بمساعدة أضواء LED. وهذه مرحلة تجريبية. واذا ما برهن النموذج على كونه ناجحا، سوف نتمكن من وضع النظام متعدد المستويات داخل المباني المغلقة لإنتاج الخضروات. بالتأكيد فإن هذا سيعزز من فرص الزراعة الحضرية ".

وكانت الحكومة قد تخلت منذ عام 2005 عن بعض التحفظات إزاء الإنتاج على السطح. وقام المجلس الوطني للحدائق مؤخراً بتحويل سطح مبنى متعدد الطوابق السكنية في شارع سيرانغون، ذا الكثافة السكانية العالية، إلى مزرعة تعليمية لتعزيز مفاهيم الزراعة الحضرية بين أطفال المدارس.

وفي الوقت نفسه، وقعت مجموعة "السماء الخضراء" مذكرة تفاهم مع "الكلية التقنية البوليتكنيك" في سنغافورة.

ويؤمن الدكتور وي تشي لي، مدير كلية العلوم التطبيقية، بأن الشراكة مع مجموعة "السماء الخضراء" سوف توعي طلابه بكيفية استخدام التكنولوجيا في الزراعة النباتية وجعل "الزراعة الحديثة أكثر جاذبية كخيار وظيفي لخريجينا".

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2018 IPS-Inter Press Service