وكالة الأنباء العالمية انتر بريس سرفيس  (آي بي إس)

ضحايا حملة العسكر علي الشيوعيين:
إندونيسيا: فصل من التاريخ ملطخ بالدماء .. يصعب نسيانه


بقلم الكسندرا دي ستيفانو‪ ‬بيرونتي/وكالة إنتر بريس سيرفس


جاكارتا, نوفمبر (IPS) - لو كان نظام الطبقات ما زال موجودا في إندونيسيا لأعتبر الأشخاص العشرة المسنين الذين يعيشون في شارع كرامات بجاكارتا سيكونون بالتأكيد منبوذين. فعلى مدى عقود طويلة، منعوا هم وعائلاتهم من فرص العمل والحصول على التعليم بل وحتى عام 2005، نصت بطاقات هويتهم علي أنهم سجناء سياسيين سابقين‪.‬

هؤلاء هم الناجون من حملة 1965-1966 العسكرية على الحزب الشيوعي الاندونيسي المحظور حالياً، وهي الفترة التي تم فيها قتل ما بين 500,000 وثلاثة ملايين شخصا، وتعذيب وسجن الآلاف.. دون محاكمة‪.‬

وبالطبع هؤلاء الأشخاص منبوذين منذ أن أطاح الجنرال سوهارتو بزعيم الاستقلال سوكارنو عام 1965 وبدأ حكمه الديكتاتوري الذي إستمر 32 عاماً تميزت بمناهضة الشيوعية.

قامت وكالة إنتر بريس سيرفس بمقابلة هؤلاء السجناء السابقون في مبني قديم من طابقين في جاكارتا، لتسمع سلسلة من الروايات المؤلمة التي تعطي لمحة عن الفصل الملطخ بالدماء من التاريخ الإندونيسي الذي إختار الكثيرون نسيانه‪.‬

يتذكر باك روزيدي، وعمره 86 عاماً -وهو مهندس زراعي سابق تخرج من جامعة نيو إنغلاند في أستراليا، ويتحدث الإنكليزية بطلاقة- الويلات التي عانى منها في معسكر الاعتقال الشهير في جزيرة بارو حتى عام 1980، حيث كشفت التحقيقات الأخيرة الظروف التي وصلت لحد العبودية‪.‬

ويقول باك، "لقد طردت من وظيفتي في وزارة الزراعة في عام 1970 واعتقلت لأنني مؤيداً لسوكارنو.. لم أكن شيوعياً". ويضيف، "‪‬أعجز عن الحديث عن السنوات التي قضيتها في السجن، فقد تعرضت للضرب، والصعق بالكهرباء لمدة ثلاث ساعات متواصلة أثناء كل تعذيب خلال تلك السنوات"‪.‬

ويستطرد قائلا، "كان لي ثلاثة أطفال وكنت متزوجاً قبل ذهابي إلى السجن، لكن زوجتي رفضتني عندما عدت"‪.‬

الروابط الأسرية المتوترة هي موضوع مشترك في قصص السجناء السابقين، في وقت دفع فيه الخوف الأطفال إلى أن ينقلبوا على آبائهم في محاولة للهروب من حياة التمييز‪.‬

ومثل كثيرين آخرين، واجه روزيدي صعوبات‪ ‬في كسب العيش بعد خروجه من السجن لأن بطاقة هويته حملت علامة "سجين سابق”. فمنع ذلك الناس من إعطائه وظائف لائقة، ومن الحصول على وظائف في مجال القانون والسياسة والجيش. كذلك تم حرمان أطفالهم من الحصول على التعليم الجامعي‪.‬

أما إيبو سنانتو، 85 عاماً، وهي تعيش مع روزيدي في نفس المنزل الآن، فقد كانت في السجن منذ عام 1966 وحتي 1975 لأن زوجها كان عضوا بالحزب الشيوعي‪.‬

وقالت لوكالة إنتر بريس سيرفس، "كان زوجي شيوعياً وكنت ربة بيت فقط، ولكنني اعتقلت. وفي كثير من الأحيان تم صعقي بالكهرباء وإيذائي جنسياً. أعاني من مشاكل في القلب والصدمة بسبب تلك السنوات"‪.‬

هذا وكانت المذابح قد بدأت على خلفية الحرب الباردة في أكتوبر 1965، عندما قامت مجموعة من القوات المسلحة تطلق على نفسها اسم "حركة الثلاثين من سبتمبر" بخطف وقتل ستة من كبار جنرالات الجيش، تحت زعم منع انقلاب ضد سوكارنو، الذي كان يعطف على الحزب الشيوعي الإندونيسي.

أما بالنسبة لعدد القتلى وضحايا التعذيب، فإن أعداد الذين سجنوا أو لا مازالوا على قيد الحياة، فهو غير واضح.‬

فقال‪ ‬نور خوليس، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين للجنة الرسمية الإندونيسية لحقوق الإنسان لوكالة إنتر بريس سيرفس، "لقد أمضينا سنتين في التحقيق للعثور على أرقام القتلى، لكننا لا نستطيع التحقق من صحة الأرقام. فلم نحصل على أية مساعدة من المسؤولين العسكريين".

وفي التقرير الرسمي، الأول من نوعه -الذي صدر يوليو الماضي ويستند إلى مقابلات مع 349 من السجناء السابقين- اعترفت اللجنة الرسمية الإندونيسية لحقوق الإنسان بأن هناك "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" وقعت خلال عملية التطهير، بما في ذلك "القتل، والاستعباد، والتعذيب، والاعتداء الجنسي، وحالات الاختفاء والتطهير والتهجير القسري والاضطهاد".

ويوصي التقرير بأن تقوم حكومة إندونيسيا، وهي أكبر دولة مسلمة في العالم من حيث عدد السكان، بإطلاق عملية مصالحة وطنية، وأن يقوم النائب العام بمقاضاة كل من هو مسؤول عن تلك الجرائم‪.‬

وروى خوليس لوكالة إنتر بريس سيرفس،‪ ‬قصة شاهد عيان في جنوب جزيرة سومطرة الذي رأي جنود الجيش يدفعون ب 100 من السجناء الذين تم تجويعهم إلى البحر‪.‬

وروى أيضا قصة امرأة في مدينة ميدان شمال جزيرة سومطرة، أجبرت على الاستلقاء عارية بينما دفع الجنود مجموعات من الكبريت المشتعل داخل مهبلها‪.‬

وبالطبع لم يتم العثور على تفاصيل عن المذابح المعادية للشيوعية في الكتب المدرسية الإندونيسية، فالشيوعية لا تزال محظورة حتى يومنا هذا.

وفي عام 2008، استدعت الشرطة مجموعة من الفنانين في بالي للمحاكمة بسبب استخدامهم لرموز الحزب الشيوعي خلال معرض فني‪.‬

وبالرغم من كون إندونيسيا قد بدأت طريقها إلى الديمقراطية عام 1998 بعد الاطاحة بسوهارتو كرئيس للبلاد، إلا أن الرئيس الحالي سوسيلو بامبانج يودويونو، وهو ايضا جنرال متقاعد في الجيش، متردد في إعادة فتح الجراح القديمة‪.‬

وفي الوقت نفسه، هناك 10 سجناء سابقين يعيشون في شارع كرامات، لا يريدون شيئا أكثر من تطهير أسمائهم من ارتكاب أية مخالفات‪.‬

فقال‪ ‬إيبو بوجايتي الذي أمضى 14 عاما في السجن منذ 1965 لكونه ناشط عمالي، لوكالة إنتر بريس سيرفس، "أريد أن تتم إزالة وصمة العار عنا وأن تعترف الحكومة بأننا أناس طيبون".

ويرى الاسترالي روبرت كريب، وهو الأستاذ الجامعي‪ ‬الذي كتب كثيراً عن تاريخ إندونيسيا في الآونة الأخيرة، أن رفض الحكومة الاعتراف بمعاناة الضحايا كان له "أثر عميق" على السجناء السابقين‪.‬

وقال كريب لوكالة إنتر بريس سيرفس، "إنهم لم يعانوا فقط من التمييز، ولكن تم وصفهم بأنهم مواطنين لا يمكن الاعتماد عليهم. والأشياء التي كانوا يؤمنون بها تم تصويرها على أنها شريرة".

وترى أكبر منظمة مسلمة في إندونيسيا "نهضة الأمة"، والتي شارك أعضاؤها في معاقبة وقتل الشيوعيين مع الجيش، أن أفضل شيء بالنسبة للسجناء السابقين هو نسيانهم تماماً‪.‬

وقال أسعد علي، وهو مسؤول كبير‪ ‬في منظمة "نهضة الأمة"، "ينبغي أن لا ينتظروا الحصول على تعويض.. ينبغي أن ننسى الصراع ".

وبرر القتل والاضطهاد بأنهما ضمن "الطبيعة البشرية"، قائلا إن سبب المجازر كان "الانتقام" للصراعات السابقة بين الحزب الشيوعي ومنظمة نهضة الأمة.

ووفقاً للسجين السابق إيبو، "نحن لا نحب الانتقام لأن كل شيء يعتمد على الله، لكننا نريد إعادة التأهيل الرسمي لنا جميعا"‪.‬

أما شعر سوكانتا السجين السابق، فهو يرسم تلك السنوات بإيجاز كالوقت الذي كانت فيه "حياة الإنسان رخيصة مثل فئران المجاري‪."‬

ويشرح سوكانتا البالغ ثلاثة وسبعون عاما‪ ‬اليساريين بأنهم أطلقوا كلابا جياع لملاحقته، وأنه على الرغم من أنه لم يحاكم قط، تم سجنه لمدة 10 أعوام بتهمة الانتماء إلى منظمة ليكرا‪ ‬الثقافية التي كانت تابعة للحزب الشيوعي‪.

 
للاتصال بنا | RSS
جميع حقوق النشر محفوظة © آي بي إس © 2017 IPS-Inter Press Service